Home / Articles/Books / Articles / في الذكرى الخمسين لإغتيال البطريرك مار إيشاي شمعون – ج1

في الذكرى الخمسين لإغتيال البطريرك مار إيشاي شمعون – ج1

في الذكرى الخمسين لإغتيال البطريرك مار إيشاي شمعون

استذكار ودعوة للتوثيق والتحليل

الجزء الأول: مدخل

يستذكر في هذه الأيام عموم الشعب الآشوري، وبشكل خاص اكليروس وابناء كنيسة المشرق، ومعهم الباحثون والمهتمون من مؤسسات ونخب الذكرى الخمسين لأغتيال واحدة من الشخصيات المحورية في التاريخ الاشوري المعاصر وهو البطريرك مار ايشاي شمعون (1908 – 1975).

مار إيشاي شمعون الذي إمتد عهده البطريركي خمسة عقود ونيف وكان فيها صانع القرار ليس لكنيسة المشرق فحسب، بل وللشعب الآشوري في أحلك وأصعب الظروف والمحن والفترات التي مر بها شعبا مذبوحا بسيف السيفو ومشردا مهاجرا تاركا مواطنه التاريخية ووجوده وارثه في هكاري جنوب الاناضول (تركيا) باحثا عن الاستقرار والمستقبل في دولة ناشئة حديثا ببيئة رافضة لمن اعتبرته بدوافع دينية غريبا عنها رافضة له ولحقه في العيش الكريم في وطن ينتمي اليه تاريخيا، ووطن التزم بمعاهدات ان يوفر الامن والاستقرار والشراكة والمساواة في هذه الدولة الناشئة حديثا بعد ان ضمت ولاية الموصل اليه وكان الاشوريون ووجودهم واستقرارهم وتخليهم عن مواطنهم في هكاري احد الاسباب في ضمها للعراق المشكل حديثا،

مار إيشاي شمعون الذي صنع قرارات اثرت لعقود طويلة وما زالت وستبقى آثارها على مسار كنيسته وشعبه، “كافأه” البعض من شعبه بأن إغتاله غدرا  في منزله في سان هوزيه– الولايات المتحدة الأمريكية في حوالي الساعة السادسة واربعون دقيقة مساء يوم الخميس الموافق 6 تشرين الثاني 1975 لتنتهي بذلك المسيرة الحياتية البشرية لهذا الانسان، وتنتهي معه، لدى الكثيرين، آمالهم وطموحاتهم القومية، ولكن أيضا، وعند البعض الآخر، لتبتدأ صفحة جديدة في مسار ونضال هذا الشعب. مرحلة لم تثمر الى اليوم ما يساوي قطرة من دم البطريرك المغدور.

في الذكرى الخمسين لأغتياله بادرت كنيسة المشرق عبر رسالة بطريركية من قداسة البطريرك مار آوا بدعوة أكليروسها ورعياتها ومؤمنيها عبر العالم لاستذكار البطريرك مار شمعون وتكريم عهده البطريركي وخصصت لذلك يوم الأحد الأول من سابوع البشارة الموافق 30 تشرين الثاني 2025.

إنها مبادرة جديرة بالثناء، ولكني أجدها لا تكتمل دون الدعوة لدراسة وتوثيق وتحليل العهد البطريركي لمار ايشاي شمعون بما له وما عليه. رسالة البطريرك مار آوا جديرة بالاعتبار، إلا انها اغفلت، بشكل لا يبدو سهوا، عن الاشارة الى حقيقة يعرفها الجميع وهي ان البطريرك أغتيل في جريمة قتل في وضح النهار وعن سبق إصرار.

هناك دراسات وتحليلات لشخصية سورما خانم لفترة “وصايتها” على البطريرك ودورها في صنع القرار الكنسي والقومي، ولكن لا يوجد التوثيق والدراسات والتحليلات لعهد البطريرك منذ توليه سلطة القرار الفعلي رغم طول عهده والاحداث والمحطات التي شهدها. الموجود هو شذرات مكتوبة هنا وهناك، ووثائق من هنا وهناك وربما تتميز بالانتقائية، واحاديث شفاهية موروثة على طريقة روى فلان عن علان.

الشيئ الجامع والمشترك بينها هي انها تمنح هالة من القدسية والحكمة والارادة والتضحية لشخص البطريرك المغدور، وهي صفات لا يمكن انكار توفرها عنده بهذه الدرجة او تلك، في هذا الموقف أو ذاك، ولكنها حتما ليست صفات مطلقة الوجود في شخص البطريرك في جميع مواقفه وعهده.

انها ثنائية العصمة والتابو التي تتحكم باجيال الشعب الآشوري، ونخبه أيضا، والتي ترفع الشخصيات المحورية في تاريخه الحديث، من مرجعيات دينية او عشائرية، الى مرتبة القدسية، حتى حين كانت  الشخصيات هذه متقاطعة، بل ومتصارعة، مع بعضها. ويصبح التابو اكثر قدسية وحرمة مع ضعف، وربما انعدام، التوثيق السليم والشامل للاحداث والمواقف.

من هنا، وبغاية تطوير الدعوة لاستذكار وتكريم المار شمعون المغدور، يجيئ هذا المقال ليكون دعوة لتوثيق عهده ودراسته وتحليله. فالمقال بحد ذاته ليس توثيقا او تحليلا بل دعوة لهما، مع ايراد عدد من المحاور والاسئلة التي تفرض نفسها اذا ما “تجرأنا” وحررنا عقلنا ونمط تفكيرنا من أسر الصندوق ومن قيود التابو للتعرف والتعريف بهذه الشخصيات بما لها وما عليها.

لا يشك ولا يتشكك أي احد بالنوايا المخلصة والحرص المسؤول لجميع المشاركين في صناعة قرار شعبنا وكنيستنا. فالاختلافات لم تكن يوما بسبب “العمالة” و”الخيانة” بل بسبب اختلاف الرؤى.

قبل إيراد الاحداث والأسئلة الصعبة و”المحرجة” عنها، ندرج عددا من الحقائق الاستثنائية التي  لشخص البطريرك وعهده البطريركي دون غيره ممن سبقوه او لحقوه:

اولاً: المار ايشاي شمعون هو أول بطريرك مشرقي يرسم قبل بلوغه سن الرشد او قريب منها، حيث رسم وهو في الثانية عشر من عمره.

هناك مَن مِن موقع الرفاهية العصرية التي تعيشها كنيسته (وعموم الكنائس) اليوم من منشآت ومراكز ومكاتب بطريركية وكنسية، ووسائل التواصل وسهولتها، والتنقل عبر البحار، من ينتقد، لحد السخرية والاستهجان، هذه الرسامة. وينضم اليهم من ينتقد ويستهجن من موقع “الحقد” و”العداء” للكنيسة المشرقية.

ما يغفل أو يتغافل عنه كلا الفريقين هو الظروف الذاتية والموضوعية التي كانت تعيشها الكنيسة وابناءها في وقت رسامة البطريرك. فقبله بسنوات استشهد البطريرك مار بنيامين شمعون في احلك واعقد الظروف أبان الحرب الأولى والسيفو والتهجير وترك الديار، ليرسم بعده البطريرك مار بولص شمعون الذي رافق شعبه في رحلته الطويلة وما فيها من مشقات وجوع ومرض وتشرد ليرحل بسبب اصابته بالمرض ويوارى الثرى في المقبرة الأرمنية ببغداد. فهل يتوقع هؤلاء انه كان بامكان الكنيسة ان تدعو لاجتماع سنهاديقي لاختيار البطريرك ورسامته والاحتفال الكنسي والشعبي والتغطية الاعلامية للرسامة. وهل يدركوا أن رسامته البطريركية اقيمت في مخيم اللاجئين الاشوريين في بعقوبة.

من يتوقع ذلك يكون ساذجا، لكي لا نقول صفات أخرى.

ثانياً: البطريرك مار إيشاي شمعون هو أول بطريرك للكنيسة المشرقية يُغتال على يد إبن كنيسته.

كنيسة المشرق، كنيسة الشهداء، تاريخها معطر بدماء اكليروسها ومؤمنيها ممن كانوا شهود وشهداء. شهود لرسالة رب الكنيسة، وشهداء من أجل رب الكنيسة.

مثلما هو تاريخ معطر برائحة بخورها الزكية التي تفوح في مذابحها وهياكلها وقداديسها من قبرص الى الصين ومنغوليا مرورا ببيت نهرين وفارس والهند.

بين شهودها وشهداءها بطاركة. وذاكرتنا القديمة تذكر البطريرك مار شمعون برصباعى ورفاقه الاكليروس ممن استشهدوا ليشهدوا على ايمانهم، وذاكرتنا القريبة تذكر البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعون الذي استشهد وقتل غدراً وهو يحمل هموم ومسؤولية شعبه ويعمل من اجله في تلك الظروف.

ولكن البطريرك مار ايشاي شمعون هو البطريرك الأول والوحيد في تاريخ الكنيسة الذي استشهد وكان ضحية جريمة غادرة نفذها أحد ابناء كنيسته هو داود مالك اسماعيل الذي حكم عليه التاريخ بانه “المؤمن” الوحيد الذي قتل بطريركه، وليحكم عليه القضاء الأمريكي بالسجن المؤبد لارتكابه الجريمة. وفي السياق فقد كان صادماً للكثيرين ومستغربا لآخرين عدم اشارة الرسالة البطريركية للبطريرك مار آوا الى ان البطريرك مار شمعون فارق الحياة مغتالا مضرجا بدمائه. تكرار عدم الاشارة  الى الاغتيال في الرسالة وفي اللقاء التلفزيوني لقناة عشتار مع قداسته دفع الكثيرين، الى تفسيره انه لم يكن سهوا، وهو ما يجعله سؤالا يبحث عن إجابة.

ثالثاً: مار ايشاي شمعون هو اخر بطريرك يرث البطريركية في سلسلة بطاركة عائلة بيث ابونا الاشورية الالقوشية الشمعونية.

هذه العائلة التي اعطت الكثير للكنيسة وحمتها من الزوال على يد الارساليات الكاثوليكية والاستقواء بالسلطة والنفوذ والمال (الفرنسي تحديدا)، واعادت تنظيمها بعد اضطرارها للالتجاء الى قوجانس حيث لم يكن تبقى تحت سلطتها البطريركية أية ابرشية، فكانت ان تشكلت ابرشيات وكراس اسقفية. لن نطيل الحديث عن عائلة بيت ابونا البطريركية ونحيل القارئ الى سلسلة مقالات الاستاذ يعقوب أبونا المنشورة مؤخرا والمتاحة على النت، وكذلك كتب اخرى منها ما ترجمه الاستاذ المرحوم بنيامين حداد.

رابعاً: البطريرك مار إيشاي شمعون هو أول بطريرك مشرقي تنتقل قلايته البطريركية إلى خارج حدود الجغرافيا التاريخية لكنيسة المشرق.

عبر تاريخه الطويل والمعطاء تنقل كرسي سالق طيسفون الى مدن ومواقع مختلفة بسبب الاضطهاد واسباب اخرى بينها ظلم ذوي القربى من الارساليات “التبشيرية”، وأحيانا شغر الكرسي البطريركي لسنوات طويلة بسبب الاضطهاد، إلا انه بقي على الدوام ضمن الجغرافيا التاريخية لارض ميلاد كنيسة المشرق، بيت نهرين التاريخية.

الجدير بالذكر هنا ان كنيسة المشرق هي الكنيسة الرسولية الوحيدة التي لم تكن في أي من فترات تاريخها تحت حكم دولة مسيحية. وهذا يعني الكثير من الاضطهاد والمصاعب، مثلما يعني الكثير من قوة الايمان والثبات فيه وعليه.

مار ايشاي شمعون هو الاول الذي اضطرته الظروف القاهرة والسلطة الحاكمة لنقل قلايته البطريركية الى خارج بيت نهرين بسبب نفيه من قبل الحكومة العراقية.

لم يكن خيارا بل اضطراراً.

 خامساً: مار ايشاي شمعون هو اول بطريرك مشرقي يوارى الثرى في الغرب.

بعده وفي العقد الأخير ووري الثرى بطاركة مشارقة آخرون هم مار عمانوئيل دلي (2014) بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، مار دنخا الرابع (2015) بطريرك كنيسة المشرق، ومار أدي الثاني (2022) بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة.

إلا ان البطاركة الثلاثة كانت مواراتهم الثرى في الشتات إختياراً لا إضطراراً.

وفي هذا السياق فان آخر خمسة بطاركة راحلين لكنيسة المشرق لم يدفنوا في موقع واحد. فمار روئيل شمعون في قوجانس، ومار بنيامين شمعون في ايران، ومار بولص شمعون في بغداد، ومار ايشاي شمعون في تورلوك – كاليفورنيا، ومار دنخا الرابع في شيكاغو – اميركا. نتمنى العمر المديد لبطاركة جميع الكنائس.

السؤال-الاقتراح هو هل يمكن لنا نحن الابناء الروحيين والمؤمنين من أبناء كنيسة المشرق أن “نحلم” باعادة رفاة البطاركة الراحلين الى مقبرة بطريركية في احد مراكز الكرسي البطريركي المشرقي في الشرق؟

سادساً: مار ايشاي شمعون هو اول بطريرك مشرقي يتزوج وهو في السدة البطريركية.

لسنا نناقش عما اذا كان هناك في القرون الاولى بطاركة او اساقفة متزوجون قبل الرسامة، فهذا شأن اكاديمي نتركه لذوي الاختصاص وهو موضوع لا يرتبط بسياق مقالنا. ولكن المؤكد انه ليس هناك بطريرك أو اسقف تزوج بعد رسامته. البطريرك مار شمعون هو أول (وحتما آخر) من قام بها.

سنترك موضوع وحيثيات زواجه لتكون احد المواضيع للباحثين ممن يلبوا دعوتنا لتوثيق وتحليل عهده البطريركي، ولكننا نورد فقط ملاحظات قصيرة في هذا الشأن:

  • جميع اكليروس ومؤمني كنيسة المشرق والكنائس الرسولية الأخرى متفقون أنه بغض النظر عن وجود او عدم وجود نص قانوني صريح يلزم الاساقفة والبطاركة بالبتولية، فان يتوليتهم هي مبدأ التزمته وتلتزمه هذه الكنائس سواء جاء بالنص القانوني الصريح او بالعرف والتقليد الذي يكتسب قوة القانون.
  • من هنا فان “تبرير” اساقفة الكنيسة حينها بان زواج مار شمعون لم يكن خروجا على القوانين، هو تبرير لا يؤمن به قائلو التبرير انفسهم، بقدر ما يبدو انه كان تسويقا ربما استهدفوا به امتصاص الغضب والرفض الشعبي لزواجه حفاظا منهم على وحدة الكنيسة وحمايتها من الاضطراب والتشتت. فهم قالوا بلسانهم ما لا يؤمنون به في قلبهم. وإلا لماذا لم يرسموا سابقا او لاحقا اي اسقف متزوج، فكم بالأحرى ان يتزوج البطريرك بعد الرسامة؟
  • أن زواجه لم يكن السبب في اغتياله، وهذا باقرار البطريرك مار دنخا (الأسقف حينها) كما في حديثه المطول في مدينة تورلوك بعد أيام من مراسم جناز البطريرك والتي ترأسها مار دنخا، وكما في حيثيات التحقيق بالجريمة، بالاضافة الى الاستنتاج السائد والمقبول بين ابناء الكنيسة.

الجزء القادم سننشره في 6 تشرين الثاني وهو تاريخ اغتيال البطريرك الشهيد مار ايشاي شمعون.

ويتضمن الاسئلة الصعبة الباحثة عن الاجابة التوثيقية والتحليل الموضوعي لمواقف البطريرك في الشأنين الكنسي والقومي.

إلى اللقاء

 

الخوري عمانوئيل يوخنا

نوهدرا، 1 تشرين الثاني 2025

البطريرك مار إيشاي شمعون في صورة له عام 1963

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *