في الذكرى الخمسين لإغتيال البطريرك مار إيشاي شمعون
إستذكار ودعوة للتوثيق والتحليل
الجزء الثالث: في الشأن القومي
القسم الثاني
زيارة مالك ياقو للعراق
رغم أن الزيارة كانت قصيرة حيث ابتدأت في 26 شباط 1973 ولتنتهي بعد 11 شهر في 25 كانون الثاني 1974 بوفاته ومواراته الثرى في بغداد في تشييع مهيب. إلا ان محتوى الزيارة، على قصرها، كان دسماً ونتائجها وثمارها وما ترتب عليها موضوع لا يمكن إلا الوقوف عنده.
وهنا أيضا يأتي السؤال عن من بادر الزيارة؟ هل كانت الحكومة العراقية؟ أم شخصيات آشورية في العراق؟ أم الاتحاد الآشوري العالمي الذي كان على علاقة ثابتة مع مالك ياقو نجدها، على الأقل، في الوفد المرافق له من قيادات الاتحاد حينها (سام اندروز، زيا مالك ياقو، اوديشو جندو وأوشانا رشو)؟
وفي حين يمكن استبعاد احتمال كون المبادرة من شخصيات اشورية في العراق، فمالك ياقو يرتبط شخصه بمواقف سياسية وأحداث تاريخية ما زالت عالقة في الذاكرة، وزيارته موضوع حساس ولا يوجد من “يجازف” باقتراح الزيارة، ناهيك عن عدم وجود انتماء ورابط مؤسساتي له مع اشوريي العراق، بخلاف البطريرك الذي، ورغم نفيه، بقي رئيساً ومرجعاً للكنيسة واكليروسها ومؤمنيها في العراق،
فأن احتمال أن تكون الحكومة العراقية هي من بادرت الزيارة يبقى إحتمالاً قائماً يتعزز بملاحظة أن توقيتها كان متزامناً مع بداية توجه اتفاق 11 آذار الى الانهيار، وهذا سبب كاف لأن يبحث النظام عن أطراف أخرى تدخل في الصراع القادم، والاشوريون هو الطرف المحلي المرشح لذلك بسبب الديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ.
وفي جميع الأحوال يبقى السؤال عن قناة وآلية الاتصال مع مالك ياقو في كندا لطرح مبدأ الزيارة ومتابعة تحقيقها؟
ليس ما يُرَجح ان يكون البطريرك قناة لنقل هكذا مبادرة، رغم علاقة الاحترام المتبادل بين البطريرك والمالك. وهذا يؤكد مرة أخرى أن البطريرك كان قد حسم أمره ومواقفه بعدم الانخراط في الشأن القومي والسياسي. (في شهادات المحكمة ينسب الى المار شمعون قوله انه يحترم مالك ياقو كثيرا ولكنه غير مطمئن من وقوعه تحت تأثير اولاده).
بل ويأتي السؤال في هل كان البطريرك على دراية بالزيارة بعد ترتيبها وقبل تحققها؟ لا يمكن نفي او تأكيد ذلك، فهو سؤال يبحث هو الآخر عن إجابة.
هل الاتحاد الآشوري كان القناة لنقل المبادرة ولاحقا مرافقة مالك ياقو في الزيارة؟ وهل كان الاتحاد، أو افرادا في قيادته، على تعامل سابق مع الحكومة العراقية؟
حيثيات المحكمة في قضية اغتيال المار شمعون تورد وبالارقام والتواريخ استلام سام آندروز وزيا مالك ياقو لمبالغ نقدية (بمجموع 18 الف دولار و6000 دينار) من النظام في نيسان 1973، وانهما استلما راتبا شهريا بمقدار 3000 دولار (ما يعادل اليوم 21000 دولار) لكل منهما، وزيا اعترف أمام الاتحاد الآشوري العالمي في الاجتماع في فلنت – مشيغان بعد العودة من العراق بانه على الاقل استلم 9 الاف دولار في تشرين الثاني 1973 حولت الى حسابه الشخصي في أوتاوا – كندا بناء على طلبه.
فهل هذا التعامل كان سابقا للزيارة وكان قناة التواصل لمبادرة الزيارة وتحقيقها؟ أم نشأ التعامل خلال الزيارة؟ وهل فترة وجود الاتحاد في العراق برفقة مالك ياقو كانت كافية لانشاء هكذا علاقة حساسة وخطيرة؟
وبغض النظر عن متى كانت علاقة سام وزيا بالنظام، هل كان مالك ياقو يعرف بها؟
ويبقى السؤال: من بادر الزيارة؟ وهل كان الاتحاد الاشوري من بادر بها؟ أم انها كانت مبادرة مشتركة للطرفين: الحكومة العراقية والاتحاد الاشوري؟
موضوعة تشكيل قوة عسكرية آشورية
ما يزال الاشوريون يتناقلون ويتداولون الحديث عن وجود مقترح او طلب او خطة لتشكيل قوة عسكرية آشورية في العراق. ويتشعب الحديث في التفاصيل عن مهام القوة ومرجعياها، مثلما تتعدد الاجوبة عن المطالب السياسية مقابل تشكيلها.
وهي، كما الامور الاخرى روايات شفاهية منقولة غير موثقة وبالضرورة غير موثوقة.
من بادر باقتراحها؟ الاتحاد الآشوري أم النظام؟ وما هي هيكليتها ومرجعيتها ومهامها؟
فاذا كان النظام من بادر فلماذا لم تتشكل بغض النظر عن موافقة الاتحاد الاشوري على مبدأها او تفاصيلها؟ فالنظام لم يكن يجد صعوبة في ذلك لو كان ارادها؟
أم هو الاتحاد الآشوري العالمي، بشخص زيا وسام، من بادر بطلب تشكيلها؟ وهذه كانت احدى التهم الموجهة ضديهما في اجتماع الاتحاد الاشوري العالمي في فلنت – مشيغان المشار اليه اعلاه. وفي هذا الاجتماع لم ينكر سام وزيا انهما من طلب تشكيل القوة العسكرية الاشورية ولكنهما، بحسب قولهما، اشترطا ان تكون مهمتها هي حماية الحكم الذاتي الاشوري الذي كان من المطالب السياسية التي تضمنتها ورقة الملاحظات والأقتراحات الآشورية على مشروع الحكم الذاتي لمنطقة كردستان والتي قدمها مالك ياقو للنظام.
ولكن،
مع اعتراف الحكومة العراقية في 2 آب 1973 بمالك ياقو رئيسا للقومية الاثورية في العراق، ومع رحيله في كانون الثاني 1974، ومع عدم وصول المطالب الاشورية المقدمة الى نتائج مع النظام، ومع المغادرة الطوعية (او بناء على طلب النظام كما يقول البعض) للاتحاد الاشوري من العراق، ومع حقيقة كونهم غير عراقيين (بالوضع القانوني) فانهم لم يتمكنوا من الحصول على مقبولية عند النظام للتحدث باسم الشعب الاشوري، وربما مع معرفة النظام لحجمهم الحقيقي وبانهم ليسوا بالمقدرة ومصادر القوة ليكونوا شريكا للنظام ولا أن يشكلوا قلقاً وصداعاً للنظام فطلب منهم المغادرة، وبذلك لم يبق للاتحاد الآشوري العالمي ظهيرا يستند عليه او واجهة يعمل من خلالها في الشأن القومي الآشوري في العراق.
وهذا ما يفسر الضغط الذي بقي يمارسه الاتحاد بعد عودته من العراق على البطريرك للعودة الى قيادة الشأن القومي الآشوري. وهو الضغط الذي قاومه البطريرك وباصرار شديد رافضاً وبالمطلق العودة الى قيادة العمل السياسي، وأصر بالقول والممارسة على إبعاد الكنيسة من مستنقع السياسة، كما تثبت الشهادات المقدمة في المحكمة، وكما تثبته خطاباته ونشاطاته واهتماماته وحصرها بالشأن الكنسي.
ويبدو انه دفع ثمن رفضه ثمنا غاليا هو حياته ودمه.
زواج البطريرك
لن نتوقف إلا قليلا ومن دون تفاصيل عند زواج المار شمعون، ذلك ان المقال ليس عرضاً لسيرة حياته، وليس مقالا تحليليا، إلا بقدر حاجة الأسئلة الى خلفية لاثارتها. فالمقال هو تساؤلي ودعوة للبحث عن الاجابات عبر التوثيق وتحليل المواقف والاحداث موضوعيا من دون انتقائية او مواقف واحكام مسبقة.
وفي موضوع زواج البطريرك ليست هناك أسئلة تبحث عن اجابات.
الرجل وبقناعة شخصية إستقال من موقعه البطريركي في مطلع 1973 ومنح الاساقفة فترة ستة أشهر لاختيار خليفة له (وهو ما لم يحصل). بعد انقضاء المدة تزوج من السيدة إيماما بتاريخ 16 آب 1973 زواجا كنسيا بحسب طقس كنيسة المشرق، وطلب من القس نينوس ميخائيل اقامة مراسم التكليل في مدينة سياتل.
بعيدا عن حقه القانوني في الزواج من عدمه، فان زواج الاساقفة ورؤساء الاساقفة في الكنائس الرسولية، هو من المحرمات المرفوضة تقليديا كنسيا ومجتمعيا. فكم بالأحرى زواج البطريرك. ومن الطبيعي ان زواجه كان صدمة وزلزال كبير ضرب الكنيسة.
اتذكر اننا كنا في الموصل حينها وكيف ان الكثيرين منا لم يستطع تصديق الخبر.
لم يستطع اساقفة الكنيسة تحمل هول الصدمة او امتصاصها، ولا قبول الاستقالة واختيار بطريرك جديد. فكان القرار في اجتماع لهم في بيروت 15 أيلول 1973 بتنحية البطريرك وتجريده من كل الدرجات الكهنوتية.
لم يجد البطريرك ذلك تعاملا لائقاً وسليماً وقانونياً معه وهو الذي قضى اكثر من خمسين عاما في قيادة الكنيسة وشعبها متحملا من الصعاب والمعاناة ما تحمل. فهل هكذا يكافأ؟
فطعن في قانونية اجتماعهم وصلاحيتهم لهكذا قرار وهددهم بالأيقاف. تراجع الاساقفة ودعوه للرجوع عن استقالته وان يتولى قيادة الكنيسة، ولو لفترة، بطريركا متزوجا.
واتفقوا على عقد مجمع سنهاديقي برئاسته في سياتل – اميركا في 19 تشرين الثاني 1975 وتأجل الى 5 كانون الثاني 1976 لضمان وصول جميع الاساقفة.
لذلك فان زواجه لم يعد ملفاً خلافياً ولم تترتب عليه أزمات اخرى، فكم بالأحرى اغتياله.
والاسقف (حينها) مار دنخا في كلمته في تورلوك بعد جناز البطريرك كان واضحاً بالقول بأن زواج البطريرك لم يكن وراء اغتياله.
من إغتال البطريرك؟
الضاغط على زناد مسدس الجريمة معروف وهو داود مالك ياقو مالك اسماعيل والذي قضت المحكمة بسجنه لثبوت الادلة على ارتكابه الجريمة، إلا أن القاتل “الحقيقي” ما وراء مشهد مسرح الجريمة في سان هوزيه يبقى مسالة للنقاش والأدلة والأدلة المقابلة، رغم ان اصابع الاتهام، بناء على المعطيات والقرائن والتحليل، تكاد تحسم النقاش والجدال، على الأقل لدى الكثير من المهتمين الموضوعيين.
في حين أن هناك إتفاقا عاما بان اغتيال البطريرك لم يكن نتيجة خلافات شخصية بينه وبين الجاني أو اي طرف آخر، وحتى الذين يعتقدون ان القاتل ارتكب جريمته بقرار فردي فانهم يقرون ان دوافع القتل لم تكن خلافات مصالح شخصية، فان الحديث الجاري والاعتقاد السائد يوجه اصبع الاتهام الى واحد أو اكثر من ثلاثة فاعلين:
الكنيسة، النظام، الاتحاد الاشوري العالمي.
أصابع الاتهام توجهت الى الكنيسة في الفترة التي تلت الاغتيال ولكنها تلاشت تدريجيا مع الاحتكام الى المنطق والموضوعية في توجيه التهمة بدلا من التبني والانقياد السريع محكومين بالعاطفة وراء رواية او قول صدر عن شخص ما او جهة ما بغاية ما.
اعتمد متهمي الكنيسة على حالة الرفض الشعبي والكنسي (على الاقل في الفترة الاولى) لزواج البطريرك، مثلما اعتمدوا الخلافات بين آباء الكنيسة دليلا لاثبات التهمة، وبخاصة الانتقال غير القانوني وغير المبرر للاسقف ابرم خامس الى الولايات المتحدة، التي هي ابرشية بطريركية، وممارساته صلاحيات لا يمتلكها في ادارة الابرشية والاجتماعات مع الكهنة وغيرها من الافعال اتي دعت المار شمعون الى ايقافه في 8 حزيران 1975.
رغم كون هذا التوصيف صحيحا ولكنه ليس كافيا لاتخاذه دليلا لاتهام الكنيسة. فالخلافات في قمة هرم الكنيسة تم ترميمها وكان الاتفاق على عقد سينودس برئاسة البطريرك في 19 تشرين الثاني 1975 وتأجل الى 5 كانون الثاني 1976. وموضوع الزواج كانت الكنيسة قد حسمته بانه زواج قانوني وطلب آباء الكنيسة عودة المار شمعون الى ممارسة السلطة البطريركية بطريركا متزوجا. ولم يكن هناك من أزمة داخل الكنيسة تدعوها لتخطط وتنفذ اغتيالها لبطريركها. اذا كان زواج البطريرك صدمة للكنيسة فكم بالاحرى سيكون مجرد التفكير باغتياله. ناهيك عن المقدرة اللوجستية على تنفيذ الاغتيال.
ثم من في الكنيسة يتجرأ منفرداً او مع شركاء لهكذا قرار باغتيال بطريرك؟
ونضيف، ما قدرة أو سلطة الكنيسة للتاثير على القاتل لينفذ بالجريمة؟ وهو الذي، بحسب الشهادات في المحكمة، لم يكن مهتما بالكنيسة وليس له علاقات قوية له مع مرجعياتها.
صحيح ان الاجواء الكنسية والشعبية في اميركا كانت مشحونة ضد البطريرك ولكنها لم تكن لتصل حد ارتكاب جريمة منظمة لاغتيال البطريرك.
ألا يجوز أن يكون تصعيد هذا الشحن يهدف خلق بيئة شعبية تمهد للاغتيال و”تبرره” و”تتسامح” مع القائمين به عند حصوله؟ وألا يجوز أن يكون الشحن يهدف تحريف اصبع الاتهام من الفاعل الحقيقي الى الكنيسة ليبدو الموضوع كما لو انه تصفية حسابات داخلية؟ ما دور اكليروس الكنيسة في اميركا في إبقاء وتصعيد الشحن عوض تهدئته؟
في كلمته في تورلوك بعد أيام من تشييع وجنازة المار شمعون يتساءل مار دنخا بدهشة واستغراب عن لماذا لم يقم الكهنة باعلام رعياتهم عن تطورات الازمة الكنسية وبانها كانت قد تمت معالجتها؟ فهل كان جميع الكهنة تحت نفوذ الاتحاد الاشوري العالمي؟ أم ان مرجعيتهم في أميركا (وربما مار ابرم بعد انتقاله الى هناك) حجبوا عنهم المعلومات؟ هل كان لمار ابرم تعاملات مع الاتحاد الاشوري اثناء وجود الاتحاد في بغداد حيث حينها كان قد ارتسم اسقفا؟
ما أشبه أمسنا بما قبله. شعب يكرر اخفاقاته وأزماته.
ثلاثون عاما بالتمام والكمال بعد مشهد الشحن الشعبي ضد البطريرك وتصعيد وتغذية ورعاية الشحن من مؤسسة سياسية قومية، تكرر المشهد ذاته مع قضية مار باوي في 2005 حيث شاهدنا الشحن الشعبي والمدعوم حزبيا وسياسيا ضد الكنيسة.
مرة أخرى: من إغتال البطريرك؟
وهل كان النظام من خطط ذلك؟
رغم ان السجل الاجرامي لنظام البعث منذ هيمنة “السيد النائب” يجعله مرشحا ان يكون وراء الاغتيالات للشخصيات الناشطة والمعارضة في الوطن والمهجر، إلا ان اتهامه باغتيال المار شمعون يحتاج الى أدلة وقرائن لاثبات دوره، خاصة مع وجود قرائن مقابلة تبعد الشبهة عنه في هذه الجريمة.
من نتائج الافتقار الى الفكر النقدي والتحليل الموضوعي للأمور من ناحية، والسجل الاجرامي الطويل للنظام من جهة أخرى، أن توجيه الاتهام الى النظام او طرف خارجي وتثبيته عليه يتم طرحه وتسويقه دون سؤال او تحليل.
النظام متهم بانه وراء وفاة الاسقف مار يوالاها بتسميمه عام 1973.
النظام متهم بانه وراء مقتل الاب الدكتور يوسف حبي في حادث سيارة من فعل النظام في 2000.
عدة اطراف، من بينها اسرائيل والحكومة العراقية بعد 2003، متهمون بوفاة الدكتور دوني جورج في 2011.
وفي موضوعنا، النظام متهم باغتيال المار شمعون في 1975.
في الوقت الذي لا يمكن استبعاد ضلوع النظام فانه أيضا لا يمكن اعتبار ذلك محسوما ويقينا لا يقبل الشك من دون الادلة والقرائن.
هل ان نظاما اجراميا له اجهزته المحترفة في الاغتيالات، وله مصادره المالية والبشرية، يقوم بجريمة اغتيال شخصية كالمار شمعون في أميركا بهذه الطريقة البدائية؟ ألم يكن التسميم بمواد يبدأ مفعولها بعد فترة من تناولها أكثر احترافية؟ وما الذي قام به المار شمعون بعد عودته من العراق ليجعل النظام يتخذ قرار تصفيته؟
فالرجل وخطابه الى شعبه في الوطن اثناء الزيارة، والى المهجر بعد عودته، وتحديدا خطابه في شيكاغو في احتفال اليوبيل الذهبي لرسامته، كان خطابا وطنيا دعا فيه الى العيش بروح المواطنة وبرعاية الدولة والاخلاص لها.
فلماذا يغتال النظام شخصية كهذه تنشر خطابا كهذا؟
ومرة ثالثة: من إغتال البطريرك؟
من بين من تتوجه اليه اصبع الاتهام هو الاتحاد الآشوري العالمي.
إتهام ليس من فراغ وليس دون مقومات وقرائن.
أسئلة كثيرة تنتظر الاجابة من الاتحاد الآشوري.
إجابات لم يقدر، أو لم يرغب، أو لم يتجرأ الاتحاد الآشوري على تقديمها رغم مرور عقود عليها.
لماذا بقي الاتحاد الاشوري يضغط على المار شمعون للعودة الى قيادة الشأن القومي السياسي؟ سبق لنا الاشارة للموضوع في فقرة سابقة.
هل كان يعتقد الاتحاد جدياً ان عودة البطريرك لهذا الدور سوف يضمن حصول الاشوريين على مكاسب واستحقاقات سياسية قومية في العراق؟ إن كان اعتقد ذلك فتلك سذاجة سياسية وعدم دراية بالواقع العراقي والاشوري.
هل شعر أو تيقن الاتحاد أن اصرار البطريرك على موقفه بعدم تولي الكنيسة او قيادتها للشأن القومي أفقد الاتحاد القناة او الواجهة للعب دور سياسي في العراق وأفقد الآشوريون فرصة الحصول على مكاسب قومية؟
وهل قاد ذلك الاتحاد الاشوري الى قرار تصفية المار شمعون، ربما انتقاما، وربما لازاحته وازاحة خطابه الوطني المتعارض مع خطاب الاتحاد. فالبطريرك كان قد عاد الى المشهد الاشوري بقوة، خاصة بعد ترميم العلاقة مع اساقفته واستعادته لطاعتهم وخضوعهم لسلطته البطريركية، واسترجع مقبولية وعافية موقعه بعد اهتزازها بسبب الزواج، وبما جعله مرشدا أبوياً للاقتداء به وبخطابه وتوجهه وتحييد كنيسته وشعبه والنأي بهم عن الصراعات السياسية واللاعبين فيها.
لماذا تبنى الاتحاد الاشوري العالمي جمع تبرعات لصالح الجاني؟ لماذا قاد الاتحاد في عموم اميركا حملة مناصرة مع الجاني ضد الكنيسة؟ لماذا وصف احد اعضاء الاتحاد في المحكمة بانها ليست محاكمة للجاني بل للامة الاشورية؟
بل ولماذا لم يندد الاتحاد الاشوري العالمي بالجريمة بالأمس؟
ولا يفتح أرشيفه اليوم وينشر المراسلات والوثائق المتعلقة بالموضوع؟
السكوت ليس دائما لصالح المتهم.
كلمة ختامية،
نختتم بما بدأنا به بان المقال ليس توثيقيا ولا تحليليا ولا يتبنى مواقفاً وأحكاماً من الاحداث والشخصيات التي ترد فيه. إنه دعوة صادقة ومخلصة لابناء شعبنا ونخبه، وبخاصة من الأكاديميين، المهتمين والقادرين على توثيق حياة رجل تاريخه هو تاريخ شعبه لاكثر من خمسة عقود من اكثر العقود تعقيدا باحداثها والمؤثرين فيها والمتأثرين بها،
عقود ما زالت جراحها تنزف، واكثر الجراح نزفا هو الهجرة من الوطن،
وما زالت اخفاقاتها تظهر في الشخصية الفردية والجمعية للانسان والشعب الاشوري، مثلما ما زالت احلامها وطموحاتها تعيش في القلوب والعقول.
رجل له اضافاته وبصماته، فرغم ظروف وتفاصيل رسامته، ورغم التحديات التي حددت مسار حياته فقد كان وبرؤية نبوية وبحكمة اكتسبها بالتجربة وانضجها باستيعابه للمتغيرات من بادر الى ما يمكن اصطلاحه فصل الكنيسة عن السياسة، حيث مع نهاية الاربعينيات اعلن والتزم خطاً واضحاً لدور القيادات الكنسية وحصره في الشأن الكنسي، وبأن المؤسسات القومية هي من يجدر بها ويتوجب عليها قيادة الفعل السياسي.
وهو القرار والخط الذي ورثه عنه البطريرك الراحل مار دنخا الرابع وآباء الكنيسة.
البطريرك مار شمعون بقراره ومساره هذا اثبت نضجاً سياسياً متقدماً على المؤسسات السياسية الاشورية التي بقيت حينها، وما زال البعض منها اليوم، لا يرى الخط الفاصل بين المساحتين: الكنسية والقومية.
رجل كسر القاعدة وانهى “الامتياز” العائلي للبيت الأبوي ليكون آخر بطاركة بيت أبونا الشمعونيين.
رجل سبق بطاركة جميع الكنائس باعتماده وممارسته لمبدأ الاستقالة الطوعية من موقعه لحظة شعر انه لم يعد يستطيع العطاء أكثر.
من الطبيعي أن يكون هناك للرجل مواقف تثير الجدل والتأويل بحجج والرد عليها بحجج مضادة، فهذه هي ديناميكية الحياة.
من أجل كل ذلك، ومن أجل إنصاف الرجل واعطاءه حقه ومكانته بما له وما عليه ندعو المهتمين الى التجاوب مع دعوتنا، وندعو كنيسة المشرق الى توسيع الاحتفاء بذكرى اغتياله واستشهاده الخمسين من الاستذكار والتكريم الى التوثيق والتحليل.
ليرحم الرب البطريرك الشهيد مار إيشاي شمعون مع اسلافه شهداء كنيسة المشرق التي بقيت عبر تاريخها كنيسة شاهدة وشهيدة.
صلوا لأجلي
الخوري عمانوئيل يوخنا
نوهدرا، 16 تشرين الثاني 2025


Etota