في الذكرى الخمسين لإغتيال البطريرك مار إيشاي شمعون
إستذكار ودعوة للتوثيق والتحليل
الجزء الثاني: في الشأن الكنسي
في الجزء السابق للمقال أشرنا إلى أهمية ملء فجوة واسعة وفراغ مرعب في مكتبة شعبنا بما تعنيه من ذاكرة تتناقلها الأجيال، ليس للتعرف على الأحداث التاريخية التي مر بها فحسب، بل وللتعلم والاستفادة منها ولفهم واقعنا اليوم الذي هو نتاج الأمس ومنطلق الغد.
فنحن شعب فاقد الذاكرة لانه لا يوثقها وينقلها عبر اجياله.
ونحن شعب لا نمارس التفكير النقدي ونرفض ان نواجه انفسنا باسئلة صعبة.
ونحن شعب نهرب من ذاكرتنا القريبة لأنها مؤلمة وفيها من الاحباطات والاخفاقات الكثير، فنهرب منها لنعيش ذاكرة القرون البعيدة والقديمة فهي الأجمل والأروع.
ونحن شعب يعيش في التاريخ ويبتغي استعادة وعيش ماضيه في مستقبله دون أن يراعي ويفهم حاضره.
من هنا وما لم يتغير نمط تفكيرنا واساليب عملنا فنحن نكون شعب بلا أفق.
فالمستقبل لا يبنى على التاريخ بل على الحاضر.
وإذا ما أصرينا على معادلة مختلفة فنكون شعبا ينتحر، وهو ما يبدو اننا متجهين اليه.
جزء من الفراغ الذي أشرنا اليه هو توثيق وتحليل حياة ومواقف شخصيات محورية صنعت قرار شعبنا في محطات تاريخية وأحداث مفصلية شكلت تراكميا وتعاقبيا ما نحن عليه اليوم.
ومن أهم الشخصيات المحورية في القرن المنصرم هو البطريرك مار إيشاي شمعون.
المار شمعون الذي لم تكن حياته ملكا له، ولم يكن هو من إختار ان يكون ما اصبح عليه في موقع قمة الهرم الكنسي والقومي. ففي تلك المرحلة لم يكن الخط الفاصل بين القومي والكنسي واضحا ومعتمدا.
المار شمعون شخصية اشورية صنعت الاحداث على مدى عقود عديدة اثرت، وما تزال تؤثر، لعقود مستمرة.
توثيق ودراسة وتحليل عهد المارايشاي شمعون ليس ترفا فكريا، وليس جهدا اكاديميا لوضعه في رفوف المكتبات.
انه أكثر من ذلك بكثير. فمنه نستطيع فهم، او تصحيح فهم، تاريخنا الحديث والمعاصر والمحطات المفصلية فيه. ومن خلاله تتحول مداركنا من موروث شفاهي ينتقل من جيل الى جيل بما يعنيه ذلك من تشوه او انتقائية (قد لا يكونا مقصودان) الى معرفة ثلاثية الأبعاد للاحداث ومسارها.
باختصار انه حق وواجب تجاه ابناء الشعب الاشوري وكنيسة المشرق والعائلة الشمعونية المعطاءة.
من هنا اكرر الدعوة الى توسيع دعوة قداسة أبينا البطريرك مار آوا لاستذكار وتكريم البطريرك مار شمعون بتوثيق ودراسة عهده البطريركي.
هذا الجزء كما اوردنا في الجزء الأول ليس مقالا توثيقيا او تحليليا، بل هو الدعوة للتوثيق والتحليل.
توثيق وتحليل موضوعي وحيادي بعيدا عن الانتقائية او الاحكام المسبقة، ففي نهاية المطاف فان التاريخ لا يمكن تغييره وما حصل قد حصل.
قد يبدو ما يلي من المقال والأسئلة خروجا عن المألوف وانها من خارج الصندوق، وليس مستبعدا ان تستجلب الاسئلة اتهامات معلبة للكاتب بسبب ذهنية التابو والعصمة والقدسية التي لشعبنا تجاه شخصيات تاريخه، وبسبب الانقسام العمودي في المواقف من الاحداث وصانعي قراراتها حيث الوقوف مع او ضد هذه الشخصية أو تلك بسبب الولاءات العشائرية او غيرها.
ولكني أعتقد ان تحريك المياه واثارة النقاش وطرح الاسئلة والتساؤلات هي أمور تستحق “المجازفة”.
هذه بعض محطات وأحداث تفرض أسئلة وتبحث عن إجابات.
ومن البديهي ان اية عملية توثيق وتحليل للامور سوف تتوقف عند محطات واحداث أكثر وتثير أسئلة أكثر تمنح اجاباتها لكل ذي حق حقه بما له وما عليه، وتعطي لنا الصورة الكاملة والمكتملة للاحداث وتاريخها.
أولا: كنسياً
1- السياق الطبيعي في جميع الكنائس الرسولية هو التئام مجمعها السنهاديقي بشكل دوري، ليس كممارسة تعبر عن وحدة الكنيسة وشراكة الأخوة لاساقفتها تحت رئاسة اخيهم الأكبر وأبيهم الروحي البطريرك فحسب، بل ولمناقشة اوضاع الكنيسة بارشاد الروح القدس. فاباء الكنيسة مؤتمنون عليها، وهذا بالضرورة يعني التزامهم بالمناقشة التشاركية لاوضاعها واحتياجاتها واتخاذ ما يلزم في مختلف المحاور اللاهوتية والعقائدية والادارية والطقسية والقانونية وغيرها. ولكن من المفهوم أيضا أن الكنائس قد تمر بظروف صعبة تعيق او تلغي امكانية عقد مجامعها ويستعاض عنها باستشارات ثنائية او محدودة وربما بممارسة البطريرك سلطة القرار.
وهذا ما حصل في تاريخ كنيسة المشرق لفترات عديدة في تاريخها.
بحسب اطلاعاتي فان تاريخ الكنيسة لا يوثق لنا انعقاد اي مجمع سنهاديقي لكنيسة المشرق منذ قرون والى النصف الثاني من القرن العشرين. حيث هناك اشارات او توثيق لاجتماعات للبطريرك مع رؤساء العشائر للتداول في القضايا القومية (ومعظمها متداخل او له ارتباط بوضع الكنيسة) واتخاذ القرارات بشانها في الفترة العثمانية وبخاصة مع تحول المنطقة وشعوبها الى منطقة ساخنة في جغرافيا الصراعات الدولية. ولكن لا اشارات او توثيق لاجتماعات لمناقشة شؤون كنسية عقائدية او قانونية او طقسية.
هل كان ذلك بسبب عدم توافر الامكانية بسبب الاضطهادات؟ أم كان بسبب الظرف الذاتي للكنيسة وتراجع جغرافيتها واعداد ابرشياتها والصراعات الداخلية وتعرضها للنهش من قبل الارساليات “التبشيرية”؟(1) أم بسبب عدم رغبة البطاركة المتعاقبين؟ اترك ذلك لذوي الاختصاص من المؤرخين والاكاديميين.
من هذا الموروث من ناحية، والظروف الموضوعية والذاتية التي عاشها العهد البطريركي للمار شمعون، فانه لم يكن متوقعا ان ينعقد مجمع سنهاديقي، بل وان موضوع او فكرة انعقاده لم تكن مطروحة اساسا.
إلا ان البطريرك مار ايشاي شمعون كسر الموروث وحاول عقد اول مجمع سنهاديقي بعد قرون من عدم انعقاده. وهذه تحسب له وتضاف الى رصيده وعطاءاته.
توثق لنا مراسلاته في 1945، عندما كان في شيكاغو، انه طلب الحصول على الفيزا للعراق او سوريا للاجتماع باساقفة الكنيسة، وربما اجتماعات اخرى في حال تحقق الزيارة. (صورة الرسالة في نهاية المقال)
إلا أن المحاولة فشلت بسبب عدم تسهيل الحكومتين العراقية والسورية لذلك، كما فشلت (لا اعرف السبب) محاولة الاجتماع في الهند التي تشير اليها المراسلات كمكان بديل.
المحاولة فشلت ولكن للامانة التاريخية فان الرجل حاول.
لست ادري ان كان هناك ما يوثق محاولات مماثلة اخرى لاحقة بعد اكتسابه الجنسية وجواز السفر الأمريكيين؟ ولست اعلم لماذا لم تكن هناك محاولات لعقد السينودس في دول المنطقة الاخرى التي زارها البطريرك كايران ولبنان ففي كلتاهما كان للكنيسة رعيات ومؤمنين، وربما كان انعقاد المجمع فيها ممكنا؟
أسئلة تلد أخرى والبحث والتحليل كفيلان وحدهما بالاجابة.
2- الانقسام الكنسي في الستينيات
أ – يخطئ من يظن ان انقسام كنيسة المشرق حصل في 1964
في عام 1964 قام البطريرك باستخدام سلطته الكنسية لايقاف المطروفوليط مار توما درمو، رئيس ابرشية الهند والذي كان البطريرك قد رسمه في عام 1952 وشهد على ايمانه ومواهبه ومؤهلاته للدرجة المطرافوليطية.
ليس معلوما او موثقا ان كان الايقاف بالتشاور وموافقة جميع مطارنة واساقفة الكنيسة، أم كان قرارا فرديا له او في احسن الاحوال بالتشاور مع المطروفوليط مار يوسف دون غيره من الاساقفة.
إلا انه ورغم ايقاف المطروفوليت مار توما درمو، فان الكنيسة لم تنشق الى كنيستين إلا بعد رسامة مار توما للبطريركية في 1968، ففي تاريخ جميع الكنائس الرسولية (وكنيسة المشرق ليست استثناء) حصلت أزمات وخلافات بين المرجعيات الكنسية العليا وحصلت ايقافات كثيرة، ولكن لم تقود الايقافات الى انشقاقات بل لحقتها مساعي مصالحات وحلول اثمرت في استعادة الوحدة، او في خروج الموقوفين واعتزالهم او التحاقهم بكنائس أخرى.
لنستذكر هنا ايقاف ذات المار شمعون للاسقف مار ابرم خامس في 8 حزيران 1975 (قبل اربعة اشهر من اغتيال البطريرك) بسبب تركه لابرشيته في العراق والانتقال الى الابرشية البطريركية دون موافقة البطريرك. استمر الاسقف الموقوف مار ابرم بممارسة درجته الكهنوتية ولكن الكنيسة لم تنشق. ولست اعلم إن كان المار شمعون رفع الايقاف قبل اغتياله عن الاسقف مار ابرم.
ونستذكر ايقاف الاسقف مار باوي الذي بقي يمارس اسقفيته رغم ايقافه ولكن الكنيسة لم تنشق.
مسار الاسقفين الموقوفين مار ابرم ومار باوي مختلف من حيث نهائيته حيث مار ابرم بقي اسقفا في كنيسة المشرق، ومار باوي انتمى بارادته وقراره للكنيسة الكلدانية. ولكن في الحالتين فان الكنيسة لم تنشق.
الكنائس الرسولية تنشق اذا ما تهيكل الاكليروس الموقوف أو المعارض واتباعه في كنيسة مستقلة برئاسة بطريرك. وهذا الذي حصل مع المطروفوليط مار توما حين تهيكل الاكليروس والمؤمنين في كنيسة ترأسها بعد رسامته بطريركا في 1968 بحسب الطقوس الكنسية لكنيسة المشرق، واتخذت الكنيسة اسم (الكنيسة الشرقية القديمة) التي لها مجمعها السنهاديقي واكليروسها، وبطريركها الحالي هو قداسة ابينا البطريرك مار كيوركيس الثالث.
أسئلة تفرض نفسها:
هل حاول اباء الكنيسة تحقيق مصالحة بين البطريرك مار شمعون والمطروفوليت مار توما؟ هل هناك اي توثيق؟ هل هم لم يبادروا؟ أم أن البطريرك رفض المبادرة ان وجدت؟ وان لم يبادروا فلماذا؟ وان بادروا ورفض البطريرك فلماذا؟
في حوار لي مع احد آباء الكنيسة وعند إثارتي هذا التساؤل، اجابني (والعهدة عليه) ان مار دنخا (الاسقف على إيران حينها) أراد السفر الى الهند للقاء مار توما الموقوف لمحاولة حل الخلاف مع البطريرك، ولكن البطريرك منعه، وهدده بالايقاف إن فعل. وتبقى الرواية شفاهية غير موثقة وبالتالي ربما غير موثوقة.
ثم هل كان اصرار المار شمعون على ابقاء الايقاف نتيجة او مرتبطا (بصيغة أو بأخرى، بدرجة او بأخرى) بمواقف مار طيماثاوس مطروفوليط الهند قبل مار توما ومواقفه المختلفة والمعارضة للبيت البطريركي في الشأن الكنسي؟
وفي المقابل، هل كانت مواقف المار توما تبنيا واستمرارا للارث الذي ورثه عن سلفه مار طيماثاوس، أم هي وليدة افكاره ورؤيته هو لاوضاع الكنيسة؟
هل شخصن طرفي الخلاف (المار شمعون ومار توما) الموضوع؟
وفي هذا السياق، فان ما يستحق الملاحظة هو ان اهم محاور خطاب مار شمعون في أهم وأول قداس له في العراق منذ نفيه منه في 1933 وزيارته له عام 1970 واقامة قداسه الأول في هذه الزيارة في كاتدرائية مار زيا في بغداد يوم الجمعة الأول من أيار 1970 وبمشاركة عشرة آلاف مؤمن بحسب التقارير الاخبارية للحدث(2) هو ان موضوع مار توما وايقافه كان المحور الذي اخذ المساحة الاكبر من خطابه (تسعة دقائق من مجموع عشرين دقيقة هي مدة الخطاب)(3).
برأيي هذا يقول الكثير عن كيف ولماذا يكون موضوع مار توما موضوعا محوريا واساسيا للمار شمعون في اول لقاء له مع الجماهير والاعداد الكبيرة للمؤمنين وابناء كنيسته المحرومين من الاستماع اليه، والمحروم هو من اللقاء معهم على مدى اربعين عاما من القطيعة الاجبارية.
ب – يخطئ من يظن ان انقسام كنيسة المشرق في الستينيات كان بسبب تغيير التقويم.
يقول اللبناني في هكذا نقاشات: (خلينا نبلش من الآخر). فنقول انه قيلت عبارات شعبية قصيرة تتساءل عن امكانية ان يكون المطران (او البطريرك بحسب البعض) من عشيرة التياري.
وبغض النظر عن حقيقة كون القول والسؤال قد قيل أم لا، ومن قاله، وفي أي سياق، ومتى؟ فانه تساؤل من بضع كلمات بسيطة ولكنه يثير موضوعا ومحتوى واسع وعميق تمتد بداياته الى قرون سابقة وتكوين وبيئة مجتمعية قائمة ومستقرة ومتوافق عليها.
الاشوريون والكنيسة في هكاري تبنوا الية لصنع القرار يتشارك فيها الجميع، فالبعض من خلال الاساقفة والآخر من خلال رئيس العشيرة الذي لم يكن دوره وتاثيره في القرار بأقل من الاسقف، بل كان اكثر تأثيرا من الاسقف.
هذه الالية التي ضمنت مشاركة الجميع استمرت الى العقد الثالث من القرن العشرين (بعد سميل 1933) حيث تلاشى تدريجيا وانتهى دور رؤساء العشائر، وبقي دور الاساقفة مما اخل بالتوازن وافقد عشائر وازنة كان لها دورها واعتبارها تاريخيا وباتت خارج صنع القرار وتشعر بالتهميش، وهو خلل لا يمكن استبعاد حضوره وتاثيره في هذا الانقسام الكنسي.
أرى ان استعادة التوازن واسترجاع الدور كان احد اسباب الأنقسام وهو الخلفية لهذا القول بان عشيرة التياري تستطيع إنجاب مطران او بطريرك. فالعشيرة التي فقدت دورها في صنع القرار ولم “تعوض” الكنيسة لها دورها أخذت بيدها معالجة الخلل.
من السذاجة الظالمة ان يقوم البعض باستخدام هذا القول دليلا على ذهنية والتزام عشائري لدى احدى العشائر الاشورية (عشيرة التياري تحديدا). فالقول المنصف والحقيقة الملموسة هي ان الذهنية العشائرية كانت سائدة ومتسيدة في جميع العشائر الاشورية وليس عند احداها دون غيرها.
بل ويمكن للبعض ان يقول ان العشيرة المتهمة بالعشائرية هي اقل العشائر التي تحكمت العشائرية بموقفها (على الأقل في موضوع البحث). فهي تكاد تكون العشيرة الوحيدة التي انقسم اكليروسها ومؤمنيها الى قسمين بين من بقي تحت السلطة البطريركية للمار شمعون، ومن تبع الكنيسة الشرقية القديمة. في حين ان جميع العشائر الأخرى كان لها قرار عشائري واحد ولم تنقسم ايا منها بين ولاءين كنسيين.
وبذات السياق فانها مغالطة ومزايدة ساذجة القول ان الرسامات الاسقفية كانت تقوم على الاهلية فقط دون غيرها من الاعتبارات. فما توافر من مؤهلات في الرسامات الكنسية (وتحديدا في العراق) بعد سيميلى (نفي المار شمعون) والى السبعينيات (زيارة المار شمعون) كان متوافرا أيضا في ابناء جميع العشائر.
هل كان المار شمعون مشاركا في الأمر؟
لا اعتقد بذلك. برأيي فان المار شمعون كان متحررا من الاصطفافات العشائرية بعد سيميلى (حتى بافتراض ان موقفه فيها كان اصطفافا) والانقسام العمودي الذي شهدته؟ ولا يمكن “لومه” بعدم الانتباه الى الخلل الحاصل في التوازنات داخل الشعب الاشوري فالرجل كان بعيدا عن الاحداث. الأحرى كان بالقيادات الكنسية في العراق حينها ان تلتفت للأمر وتعالج الخلل في التوازنات والادوار.
انه سؤال افتراضي ان نسال: هل كان الانقسام سيحصل لو ان الكنيسة كانت قد رسمت اسقفا من عشيرة التياري؟
لا اريد الاجابة لان المقال كما قلت ليس تحليليا بل تساؤليا. واضطرارنا الى الشروحات هو بغاية التمهيد للاسئلة الصعبة التي نتهرب الى الان من اثارتها والبحث عن اجابات لها.
وهنا نتساءل: أليس انحصار الانقسام بعشيرة معينة محددة هو دليل على ان الانقسام له دوافع ابعد من التقويم.
فهل كان التقويم مهما وجوهريا لدى عشائر دون غيرها لحد انها تبنت او دفعت لتقسيم الكنيسة بسبب تغييره؟
ليس هناك من سبب منطقي يجعلنا نعتقد انه كان كذلك لعشيرة التياري ولكنه لم يكن كذلك لدى عشيرة الباز مثلا
انها جميعها أسئلة تلد أخرى، فنضيف منها:
هل كان الانقسام امتدادا للانقسام في 1933؟ ربما، ولكن جزئيا. فمعارضي المار شمعون في 1933 لم يلتحق جميعهم بالانقسام.
هل كان هناك تواصل بين رموز او قادة الفريقين المتعارضين في سميل (تحديدا مار يوسف خنانيشو من جهة ومالك خوشابا (ومن ثم ولده مالك يوسف)) في العقود اللاحقة وصولا الى بداية الانقسام الكنسي؟ ما هي طبيعة ونتائج هذا التواصل، إن كان موجودا؟ وإن لم يكن فلماذا؟ وهل كان سيغير الأمور لو حصل بروح المسؤولية وتجاوز الماضي؟
ما هو دور السلطة العراقية في الانقسام؟ فالاعتقاد السائد يقول ان السلطات العراقية وقفت وراء الانقسام.
ولكنه، برايي، اعتقاد يحتاج الى التوقف عنده والبحث عن ما يدعمه.
ما هي مصلحة السلطات العراقية في خلق الانقسام؟ فالاشوريين لم يكونوا لاعبا او عاملا في الحسابات السياسية العراقية في ستينيات القرن الماضي. والشأن الآشوري لم يكن عامل قلق حقيقي للسلطات العراقية. واول دخول لهم في هذه الحسابات كان مع المفاوضات بين بغداد والحركة الكردية (كما كانت تسمى حينها)، وهذا الدخول كان وراء قبول وتسهيل زيارة البطريرك للعراق في 1970.
صحيح ان السلطات العراقية سلمت الكنائس الى الطرف الآخر ولكن هذا حصل في أيلول 1968 أي بعد وصول الامور الى الخطوة النهائية لتحقق الانقسام (أي الرسامة البطريركية لمار توما)، بل وانه حصل بعد شهرين من انقلاب 17 تموز واستلام البعث للسلطة بما يعنيه من أن السلطة الجديدة لم تكن قد ثبتت أقدامها بعد فكيف لها ان تتعامل مع الملف الكنسي الاشوري. وبذلك فان تسليم الكنائس للطرف الآخر ليس سببا كافيا لاعتبار الانقسام من عمل السلطة، بقدر ما هو، في اسوأ السيناريوهات، استثمارا في الانشقاق، وحتى هذا يبدو غير مرجح.
ربما كان تسليم الكنائس لفريق مار توما نتاج علاقات لقائد الفريق (مالك يوسف مالك خوشابا) مع السلطة العراقية المعنية (تحديدا وزارة الداخلية).
والسؤال الختامي لمحور حصول الانقسام هو: هل كان الانقسام حتميا؟ أم كان ممكنا تفاديه، وكيف؟
3- هل من جهود بذلت لاستعادة الوحدة بعد الانقسام؟
في تسلسل أحداث الأنقسام هناك محطة لا يمكن إلا الوقوف عندها.
تلك هي انه رغم “الاندفاعة” الكبيرة لهيكلة الانقسام من خلال دعوة مار توما واستقباله في العراق وارتسامه بطريركا لكنيسة مستقلة في 1968، فانه مع انتقاله الى الاخدار السماوية في 7 أيلول 1969 فان “الاندفاعة” خفتت بشكل كبير حيث بقي الكرسي البطريركي شاغرا الى 20 شباط 1972 حين ارتسم مار أدي بطريركا.
لماذا لم تتم رسامة البطريرك الجديد بعد وفاة البطريرك مار توما؟ لماذا الانتظار سنتان ونصف لذلك؟
ففي حين لا يمكن تعليل ذلك بعدم الاتفاق على من يكون البطريرك الجديد، فان السؤال يصبح هل كان ذلك قرارا الغاية منه توفير الفرصة لاستعادة وحدة الكنيسة بعد رحيل مار توما؟ ربما.
وبغض النظر عن جواب السؤال فان السؤال عن الطرف الآخر هو كيف رأت كنيسة المشرق هذه الفسحة والفرصة؟ فالوضع بات مختلفا عما كان قبل رسامة البطريرك مار توما. ورسامته اثبتت استعداد اتباعه على الاستمرار الى النهاية ورسامة بطريرك وترسيخ وهيكلة انقسام الكنيسة. فلماذا اذن لم يتم الاستثمار في هذه الفسحة لاعادة وحدة الكنيسة؟
خطاب البطريرك مار شمعون في كاتدرائية مار زيا في الأول من أيار 1970 (بعد وفاة مار توما وقبل رسامة مار أدي) لا يتضمن كلمة (الوحدة) أو (التوحيد) فهو يطرح الموضوع بصيغة عودة الأبن الضال، وحتى هذه العودة هناك شروط ونتائج لها وضعها البطريرك او الكنيسة امام “الخارجين” منها.
في مقال لي بعنوان (وحدة كنيسة المشرق: فرح يتبدد وجرح يتجدد) نشرته في 15 حزيران 2022 عن المحاولة او الدعوة لتوحيد الكنيسة التي عقدت اجتماعاتها في شيكاغو قلت:
(ضعف كنيسة المشرق الآشورية يكمن في قوتها، وقوة الكنيسة الشرقية القديمة تكمن في ضعفها).
اعتقد ان هذه المعادلة كانت السبب في فشل محاولات توحيد الكنيسة التي باتت برايي خلف ظهرنا.
الخوري عمانوئيل يوخنا
زيورخ – سويسرا
6 تشرين الثاني 2025
إلى اللقاء في الجزء الثالث (وهو الأخير) من المقال وسيتضمن التساؤلات والاسئلة عن المحور القومي والسياسي للعهد البطريركي لمار ايشاي شمعون.
الهوامش:
(1): قارن على سبيل المثال جغرافيا وابرشيات كنيسة المشرق بين ما قبل الاضطرار للانتقال الى قوجانس وما بعده، حيث بعد الانتقال تاسست ابرشيات جديدة لم تكن قائمة قبل ذلك تعويضا عدديا عن الابرشيات المتكثلكة وليكون هناك حد أدنى مناسب للمطارنة والاساقفة تحت الادارة البطريركية ولضمان استمرارية ادارة الكنيسة وهرميتها.
(2): تقرير (His Holiness the Patriarch’s Historic Visit to Iraq) الصادر عن الكنيسة والمنشور على الرابط:
https://marshimun.com/new/pdfs/visit_to_iraq.pdf
(3) https://marshimun.com/new/mp3/Mar%20Eshai-Iraq.mp3

رسالة مار ايشاي شمعون وسعيه لعقد اجتماع مع اساقفة الكنيسة

البطريرك مار ايشاي شمعون والبطريرك مار توما درمو (صورة مركبة)
Etota