أبينا البطريرك ساكو: تصريح جديد.. وهفوة جديدة..
1- غبطة أبينا البطريرك ساكو ليس السياسي الأول ولا الوحيد الذي يتصدر تصريح له المشهد والمنابر الاعلامية بين متفق ومعارض، ومبرر ومتصيد. فالأمر تكرر وسيبقى كذلك مع رجالات السياسة وظهوراتهم الاعلامية وتصريحاتهم.
وكما في هكذا مواقف فان التصريح الاعلامي الذي يصدر لتوضيح الموضوع غالبا ما تتكرر فيه عبارة “ان التصريح أخرج من سياقه” وان “المقصود لم يكن كما يتم تصويره”.
وبغض النظر عن “التصريح التوضيحي” أو “التبريري” فان التصريح الأول يبقى عالقا في الأذهان والتداول ويكون “المحذور” قد وقع، والمحاولات تكون لتقليل الخسائر.
2- هناك من يتهم البعض بإفتعال الضجة.
شخصيا، لا أجدها ضجة مفتعلة. فالمضمون والشكل والقائل والمكان والزمان هي اركان مكتملة لتجعل من كلام غبطته ضجة.
بالطبع، فان كون المضمون (التطبيع) موضوعا سياسيا حساسا، وكون قائله (البطريرك ساكو) شخصية عامة ومرجعية كنسية تتعاطى السياسة، وكون المناسبة والتغطية الاعلامية واسعة، فمن البديهي أن تختلف المواقف وردود الافعال بحسب الاشخاص والجهات. بينهم من يمنح العصمة للبطريرك ويضعه فوق النقد، وبينهم من يتصيد الفرصة للنيل منه، وبين هذا وهذاك مواقف تحليلية وحكيمة تتعاطى مع الحدث دون تبسيط ولكن دون تهويل أيضا.
3- شخصيا، أرى المشهد كما هو من حيث الكلام ومضمونه ومن حيث القائل وشخصيته واداءه الاعلامي. فأقول وبصراحة وشفافية:
الكارثة هي مع مدخل غبطته الى الموضوع حيث قال حرفياً: دولة الرئيس، هناك كلام عن التطبيع. أتمنى من الحكومة الجديدة أن تهتم بأن يكون التطبيع في العراق ومع العراق“. إنتهى الاقتباس
فغبطته إذن يتحدث عن “كلام” سياسي موجود، وعن موضوع سياسي لهذا الكلام وهو “التطبيع”.
وهل في المشهد والخطاب السياسي والحديث الاعلامي في المنطقة من تفسير او معنى آخر لهذا “الكلام” وهذا “التطبيع” سوى التطبيع مع إسرائيل وبينها وبين دول الجوار والمنطقة؟
ناهيك عن حصر غبطته للاستشهادات التي اوردها بالاستشهادات التوراتية بشكل خاص.
4- “التطبيع” كمصطلح سياسي متداول هو اقامة علاقات طبيعية بين اطراف (في هذه الحال دول) هناك قطيعة بينها. قد تكون القطيعة وجودية بمعنى بسبب عدم الاعتراف بوجود احدهما (وهذه هي الحال مع أسرائيل) او بسبب خلافات متراكمة (اميركا وايران، او اميركا وكوبا مثلا).
وفي هذا السياق فانه ليس من دولة لها قطيعة مع العراق (باستثناء اسرائيل) ليدعو غبطته الى التطبيع بينها وبين العراق. وبذات السياق يأتي مصطلح (في العراق) فلا يمكن الادعاء ان المقصود به هو التطبيع بين أربيل وبغداد مثلا!!!
5- قد لا يتوقع أحداً أن غبطته كان يدعو فعليا الى التطبيع مع إسرائيل.
ولكن وبغض النظر عن ما يقصده البطريرك فان “الكلام عن التطبيع” لا يمكن تفسيره إلا بالتفسير والخطاب السياسي المتداول بانه التطبيع مع إسرائيل. ولا يمكن اتهام المستمعين والمعقبين بانهم فهموا الموضوع خطأ.
اللوم كل اللوم، والخطأ كل الخطأ هو عند المتحدث الذي لم يكن موفقا في اختيار مفردات وعبارات حديثه.
وهذه مشكلة مزمنة ترافق غبطته في مجمل تصريحاته ومواقفه من مختلف الامور والقضايا:
الكنسية منها (تتذكرون كيف وصف رؤيا ايشعيا النبي وخدمة القداس الالهي بانها حديقة حيوانات)،
والهوياتية (تتذكرون قوله بانه ليس فرحانا بلغته الأم، السورث)،
والوطنية (تتذكرون كيف وصف رئاسة الجمهورية بالداعشية، وكيف هدد بانه سيشتكي عند بايدن!!!)
وغيرها الكثير الكثير.
6- دعونا نكون صريحين مع انفسنا وكنائسنا وشعبنا وشركاءنا في الوطن.
دعونا نبتعد عن التملق والتبرير ونسمي المسميات بأسماءها. فنقول:
الاداء الاعلامي الكارثي لغبطة أبينا البطريرك ساكو جلب على مسيحيي العراق وكنائسهم، وفي مقدمتها الكنيسة الكلدانية، وعلى مرجعياتها، البطريركية الكلدانية تحديدا، وعلى أكليروسها، وتحديدا غبطته، ما لم يشهدوه من سلبيات واساءات في تاريخهم القريب والحديث والمعاصر.
مصداقية وهيبة الكنيسة والبطريركية أصيبت في مقتل.
وكل المحاولات هي لتقليل الخسائر، فاسترجاع المفقود يكاد يكون مستحيلا.
7- هل من معالجة؟
المعالجة الآنية للحدث الآني هي بالاصرار على أن البطريرك لم يقصد التطبيع مع إسرائيل (لانه فعلا لم يقصد ذلك)، مع الاعتراف صراحة بان التعبير قد خان البطريرك. عوض القاء اللوم على الاخرين بانهم يشوهون او يحرفون الكلام ويخرجوه عن السياق. فليس الاخرون من شوه كلام غبطته، بل غبطته هو من اساء التعبير وانتقاء الكلام.
والمعالجة البعيدة المدى هي المعالجة الوقائية من هكذا كوارث. وتتحقق:
- بتوقف البطريرك عن ان يكون رجل سياسة (لا اقول اعلان مواقف من شؤون وطنية)
- والتفرغ للشأن الكنسي بمختلف محاوره
- والتقشف في الظهورات والتصريحات الاعلامية
- واعتماد فريق مستشارين يمتلكون الحكمة في قراءة الامور والجراة للقول والنصح الصريح لغبطته.
وبخلاف ذلك فان الانحدار والتراجع سيستمر.
الخوري عمانوئيل يوخنا
ألمانيا 26 كانون الأول 2026
Etota